ابن أبي أصيبعة

611

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ثم أنه ترك يبرود وما كان يعانيه وأقام بدمشق يتعلم صناعة الطب ولما تبصر في أشياء منها وصارت له معرفة بالقوانين العلمية وحاول مداواة المرضى ورأى اختلاف الأمراض وأسبابها وعلاماتها وتفنن معالجاتها وسأل عمن هو إمام في وقته بمعرفة صناعة الطب والمعرفة بها جيدا فذكروا له أن ببغداد أبا الفرج بن الطيب كاتب الجاثليق وأنه فيلسوف متفنن وله خبرة وفضل في صناعة الطب وفي غيرها من الصنائع الحكمية فتأهب للسفر وأخذ سوارا كان لأمه لنفقته وتوجه إلى بغداد وصار ينفق عليه ما يقوم بأوده ويشتغل على ابن الطيب إلى أن مهر في صناعة الطب وصارت له مباحثات جيدة ودراية فاضلة في هذه الصناعة واشتغل أيضا بشيء من المنطق والعلوم الحكمية ثم عاد إلى دمشق وأقام بها ونقلت أيضا قريبا من هذه الحكاية المتقدمة وإن كانت الرواية بينهما مختلفة عن شيخنا الحكيم مهذب الدين عبد الرحيم بن علي قال حدثني موفق الدين أسعد بن إلياس بن المطران قال حدثني أبي قال حدثني أبو الفرج بن الحديد قال حدثني أبو الكرم الطبيب عن أبيه أبي الرجاء عن جده قال كان بدمشق فاصد يقال له أبو الخير ولم يكن من المهرة فكان من أمره أن فصد شابا فوقعت الفصدة في الشريان فتحير وتبلد وطلب قطع الدم فلم يقدر على ذلك فاجتمع الناس عليه وفي أثناء ذلك اطلع صبي عليه فقال يا عماه أفصده في اليد الأخرى فاستراح إلا كلامه وفصده من يده الأخرى فقال شد الفصد الأول فشده ووضع لازوقا كان عنده عليه وشده فوقف جرية الدم ثم مسك الفصدة الأخرى فوقف الدم وانقطع الجميع ووجد الصبي يسوق دابة عليها حمل شيح فتشبث به وقال من أين لك ما أمرتني به قال أنا أرى أبي في وقت سقي الكرم إذا انفتح شق من النهر وخرج الماء منه بحدة لا يقدر على إمساكه دون أن يفتح فتحا آخر ينقص به الماء الأول الواصل إلى ذلك الشق ثم يسده بعد ذلك قال فمنعه الجرائحي من بيع الشيح واقتطعه وعلمه الطب فكان منه اليبرودي من مشاهير الأطباء الفضلاء أقول وكانت لليبرودي مراسلات إلى ابن رضوان بمصر وإلى غيره من الأطباء المصريين وله مسائل عدة إليهم طبية ومباحثات دقيقة وكتب بخطه شيئا كثيرا جدا من كتب الطب ولا سيما من كتب جالينوس وشروحها وجوامعها وحدثني أيضا السني البعلبكي أن اليبرودي عبر يوما في سوق جيرون بدمشق فرأى إنسانا وقد بايع على أن يأكل أرطالا من لحم فرس مسلوق مما يباع في الأسواق فلما رآه وقد أمعن في أكله بأكثر مما يحتمله قواه ثم شرب بعده فقاعا كثيرا وماء بثلج واضطربت أحواله تفرس فيه أنه لا بد أن يغمى عليه وأن يبقى في حالة يكون الموت أقرب إليه إن لم يتلاحق فتبعه إلى المنزل الذي له واستشرف إلى ماذا يؤول أمره فلم يكن إلا أيسر وقت وأهله يصيحون ويضجون بالبكاء ويزعمون أنه قد مات فأتى إليهم وقال أنا أبرئه وما عليه بأس ثم إنه أخذه إلى حمام قريب من ذلك الموضع وفتح فكيه كرها بشيء ثم سكب في حلقه ماء مغليا وقد أضاف إليه أدوية مقيئة ولا في الغاية وقيأه برفق ثم عالجه وتلطف في مداواته حتى أفاق وعاد إلى صحته فتعحب